“معرفش .. مش حاسة بحاجة”

كانت هذه هي الجملة التي سمعتها من و.ف صاحبة الشعر الذهبي وهي جالسة على الأرض تضع ابنتها بين أرجلها تجدل شعرها وتبعثر نظراتها عليّ أنا وخالتي حينما اقتحمت خلوتهم فجأة أسأل عن منصور لألعب معه.

كنت أحب صيفيات الأرياف، رائحة “العيش الصابح” والجبنة وأشياء أخرى، كنت أحرص على الذهاب مع أمي كلما سنحت لنا الفرصة، بيوت كثيرة تفتح لنا بكرم وعشم للترحاب بأهل البندر ولاد الناس الغاليين، هكذا كانوا يقولون لأمي في كل زيارة لنا “يا أهلاً بالغاليين”.

“فاكرة إني قعدت أعيط وأمي جابتلي أرواح وأنا ماشية”

الجملة الثانية.. سمعتها هذه المرة وأنا جالسة بعيداً عنهم نسبياً أحاول أن ألعب بما وجدته أمامي بعدما فقدت الأمل في العثور على منصور، لم تنهرني خالتي عندما رأتني أجلس في طرف الحجرة ظناً منها بأنني لا أسمع ما يقولونه.

“ساعات بفضل أقول آه وخلاص يعني هاقول إيه، بخاف يعرف إني مش حاسة بحاجة ومايرضاش ييجي جمبي تاني ولّا يشتكي لأبويا تبقى حكاية كبيرة”

ضمتها خالتي وهي تبكي وتقول: “بس لازم البت تتختن أبوها يفضحني وسط الناس لو قلت لأ”

ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي سمعت فيها مصطلح “الختان”، لم أكن أعلم قبل ذلك معنى هذه الكلمة ولم أتعرض لها قط، عندما رجعنا سألت والدي، كان ولازال مصدري الأول في فهم الأشياء، دائماً أبي لديه المعلومة وقد كان، حينما سألته شرح لي وفهمت، حينها تذكرت و.ف وهي تبكي وتذكرت إبنتها المسكينة التي على وشك أن تتغير حياتها للأبد بسبب العادات والتقاليد.

 “أمي الله يسامحها قالتلها حِفي”

كنا نجلس سوياً نتحدث عن أمور العمل حتى تطرقنا للحديث عن المجتمعات العربية وكيف أثرت تربيتنا فينا وماذا سأفعل مع ابنتي في المستقبل في ظل التغيرات السريعة التي يمر بها العالم من أفكار وحريات لم تكن موجودة من قبل حتى قاطعتني س.ح قائلة: “إحنا اتدفنا بالحياة، كنا عيال خدوا مننا حاجة غالية من غير ما حد يشرح السبب ولا ياخد رأي، حرية إيه بس اللي بتقولي عليها”

بدأ ينساب سيل الذكريات على صديقتي صاحبة الشعر الأبيض وحكت لي عن قصتها مع الختان، “أمي الله يسامحها قالتلها حِفي، مش هانسى الجملة دي! حياتي اتدمرت وعشت بمثّل بس راضية باللي ربنا كتبه وبناتي زي الفل في بيوتهم أهو من غير ختان”

شفرة العيب والعادات والتقاليد

87% من النساء المصريات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عاماً خضعن لعملية الختان، بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وأشارت المنظمة إلى أن أكثر من 200 مليون فتاة وامرأة قد خضعن في يومنا الحالي لأحد أنواع الختان، متوقعة أن تخضع 15 مليون فتاة للختان خلال العقد القادم، ويحاول البعض أن يُخضع النسبة السابقة للدين قائلين بأن المجتمع المصري المتدين المحافظ يقوم بمثل هذه الممارسات حفاظاً على شعائر الدين الإسلامي على الرغم من الفتوى الصادرة من دار الإفتاء المصرية والتي تنفي ما يقال في حق ضرورة ختان الإناث.

في الحقيقة الأمر أعمق من مجرد غطاء ديني، فالمصريون يحبون تقديس الممارسات اليومية وإضفاء نوع من القدسية على أفعالهم لذلك يطلقون على أنفسهم لقب “شعب متدين بطبعه” لكن حقيقة الأمر تكمن في رغبتهم في إقتباس النور الإلهي في كافة تصرفات حياتهم والتستر حول “ده كلام ربنا إحنا هانكفر!” حينما تشتد المناقشات العقلانية.

ما يحدث في قضية الختان في مصر هو في الحقيقة ما يحدث في مصر في العموم، العادات والتقاليد وشبحها الذي يهدد المجتمع ويقضي على المحاولات المدنية في تأسيس مجتمع حر ينعم أفراده بأبسط حقوقهم في تحديد مصير ما يفعلونه في جسدهم أو مظهرهم أو ميولهم الجنسية لكن هيهات! كيف تنعم المرأة بالحرية في جسدها؟ لقد تركوا الرجال والأوصياء من الأهل التحكم في رغبتها – أو هكذا يظنون – حرصاً منهم على عفتها وطهارتها وكأنه إتهام مسبق بأنها ستكون – حتماً – سيئة السمعة لو تركت دون ختان!

في الحقيقة كل المحاولات والمقالات والأصوات التي تنادي وحيدة وسط جموع الغارقين في أوهام العادات والتقاليد العفنة هي بداية حقيقة ومؤشر قوي لوعي الطبقة التي لديها القدرة – ولو المحدودة – على التغيير بأهمية هذه القضية، للأسف مصر وغيرها من الدول الإفريقية تحديداً غارقة في عفن هذه الظاهرة وكل صوت ولو كان ضعيفاً أو مهزوزاً أو حتى مكرراً يعتبر صدع في بناء العادات والتقاليد الضخم الذي يحرم بناتنا من حقهن في حياة طبيعية بعيدة عن الموت والخوف والأذى النفسي.

الصورة للمصور جهاد سعد

Advertisements