القاهرة

1998

المنزل مزيّن بالكهارب الملونة، خالاتي يطبخون ورائحة الكفتة المغموسة بالصلصة تملأ الممر الذي يصل في النهاية إلى غرفة المعازيم الكبيرة، المكان يعج بالأقارب والأصدقاء، الكل يرتدي أحسن الثياب متعطرين ومبتسمين، موسيقى وأغاني وفتيات يرقصن، ذهبت لأشاهد نرمين ابنة خالتي وهي ترقص على أغنية لا أتذكر منها سوى إيقاع الطبلة ورقص نرمين البريء للغاية، عندما لمحتني أقف هناك أصابها الخجل ولم تكمل الرقصة، أنا قليل الحظ من يومي أعلم ذلك جيداً.

عند مدخل الشقة وعلى إحدى كراسي الفِراشة التي ينبعث منها رائحة الصدأ جلست ليصبح بيت جدي كله في مرمى بصري، فكل من يدخل أو يخرج لابد وأن أراه أو أن يمر من أمامي، رأيت أبي يتحدث مع أمي وخالي في إحدى جوانب صالة المعازيم الكبيرة ويبدو عليه الانزعاج ثم تركهم واقترب تجاهي! اللعنة يا أبي أنا جالس مكاني كافي خيري شري! ماذا فعلت؟

– هاتنزل المكتبة تجيب بصّامة عارفها؟

– لأ بس هاسأل الراجل.

– علبة صفيح كدة، هات من الرخيص متجبش الغالي.

– حاضر يا بابا.

 أصريت أن أخذ نرمين معي حتى لا أذهب بمفردي فوافق بشرط أن أكون هنا قبل أن يدرك أنه أرسلني من الأساس، هكذا يتعامل أبي مع قراراته، جريت لأدخل غرفة المزيكا العالية والفتيات الراقصات لأنادي على نرمين –شريكتي في كل جريمة– وأخذتها ونزلنا.

–  أقولك حاجة بس من غير ضحك؟

– قول

– عارفة ريحة شقة جدو إنهاردة شبه ريحة إيه؟

– ريحتها كفتة..  قالتها وهي تخفي إبتسامتها بيدها.

–  لا ريحة الكفتة دي شمتها كتير عند جدو، ريحة الشقة إنهاردة شبه ريحة الجامع يوم الجمعة.

– إزاي يعني؟ ريحة الجامع بتبقى عاملة إزاي؟

– ريحة شرابات!

ضحكت أنا وهي بصوت عالٍ وأدركت حينها أنني تأخرت وعلينا أن ندفع ثمن هذه المزحة غالياً عندما أقف أمام أبي محاولاً تبرير ما حدث.

رجعنا الشقة مرة أخرى وجل همي ألا يكتشف فعلتي، فحاولت أن أذوب وسط الجموع لكنه لمحني!

جريت إلى المطبخ لأعطي خالاتي الطلبات وأجلس كما كنت عند الباب أشاهد من يدخل ويخرج مستمتعاً بنظراتهم لي وهم يصيحون لأمي من بعيد: “ما شاء الله الواد كبر يا عايدة وبقى عريس” كنت أحب هذه الكلمة جداً وأتبعها بابتسامة بلهاء.

تعالت أصوات الزغاريد، فجأة شعرت بأن المكان يهتز بمن فيه والجميع يتحرك ناحية الباب! ناحيتي! اللعنة! أنا لم أفعل شيئاً! كل ما هنالك أنني تأخرت بضع دقائق يا أبي وضحكت على تلك المزحة! كانت نظراتي كلها معلقة باتجاه أبي لكنه كان ينظر لدلال.

إلتفت لأراها تسير بإتجاه باب الشقة قادمة من أسفل وممسكة بيد خالي، كانت ترتدي فستان أبيض منفوخ الأكتاف، له رقبة طويلة من الدانتيل الأبيض ورباط ستان على شكل فيونكة، بالكاد رأيت دلال بداخله، وطبعاً الكثير من مساحيق التجميل وتسريحة شعر غريبة، فجأة تجاوزني الجميع وهم يزغردون ويصفقون في استقبال العروسة.

الكل يتحدث ويأكل ويرقص ويصفق في آن واحد، كلما اقتربت من التجمعات الصغيرة في رحلتي للبحث عن الشيكولاتة كنت أسمع كلمات وقعها جديد عليّ، “قايمة” كانت أكثرهم تداول بين الجموع بعد كلمة “هو المحروس العريس فين”.

– نرمين؟ تعالي أقولك.

–  ماما بتوزع الشمع وعايزة أخد واحدة مش مكسورة.

– هادخل أجيبلنا اتنين بس استني، هو العريس فين؟

– ماما قالت لطنط مامت شيرين إنه مع أهله تحت البيت.

– طب أنا هاروح أجيبلك الشمعة وخلينا واقفين جنب العروسة عشان محدش ياخد دورنا، هانقف في الصف الأول، بس استني! تعرفي يعني إيه قايمة؟

–  أيوة ماما قالتلي دي ورقة الجواز ولازم يبقى عند كل البنات واحدة زيها غالية.

……..

أتذكر أنني سمعت في هذا اليوم كل الألبومات الرائجة لمطربين هذه الفترة، استيقظت لأجد نفسي على سرير كبير في إحدى غرف بيت جدي ولكن الجمع قد اختفى! هرعت لأشاهد ماذا حدث فقد أقسمت على أن أكون مرابطاً في الصف الأول! خرجت لأجد الفيونكة الستان الكبيرة لفستان دلال ملقاة على كرسي في الغرفة الكبيرة، الأرض مليئة بالأوراق المتناثرة وبواقي الأكل وبصّامة لم تستخدم بعد.

– ماما هي نرمين مشيت؟

– كلهم مشيوا يا حبيبي.

Advertisements