أقنعوني قديمًا أن تقليلي من شأن نفسي يبقيني في خانة المتواضع، فأصبحت أحمل بداخلي أشياء لن أعرف قيمتها الحقيقية متى حييت..

أهلاً أبي..

هذا هو مقطع من روايتي الأولى التي لم أنشرها بعد

مررت بجوار سيارتك  الـ بيجو 504 اليوم، لازال يتملكني نفس الشعور بالإثارة والرغبة في قيادتها بغير علمك، كذلك الخوف..

لطالما تملكني الخوف حتى استأنسته، فأنا متصالح مع خوفي أو ربما هكذا أبدو..

رقية تركت زوجها، هاجرت إلى كندا هي وابنتها وقطعت علاقتها بنا، لا أشعر بالذنب تجاه ما حدث لها واعتقد أنها لا تشعر بالذنب أيضاً تجاه ما فعلته بنا، لكن لابد وأن يشعر شخص ما بهذا الذنب.

كنت أسمعها كثيراً تتشاجر مع أمي وتلومها على اختياراتها تحديداً أنت، كانت تلومها على استمرارها معك رغم كل ما حدث، رقية كانت الأكثر صخباً ولطالما كنت أنا الابن الأكثر خضوعاً.

 الإلقاء باللوم على بعضنا البعض كان وسيلتنا الوحيدة لتخطي الأمر، الراحة المؤقتة التي نشعر بها بمجرد أن يُلام شخص ما على كل ما يحدث كان بمثابة حباية البنادول التي تخلصك من صداع مميت أو الجملة الأكثر منطقية وسط الحديث العبثي الممتد لساعات.

أمي استطاعت أن تتعايش والحزن، خلعت السواد وتجاوزت ما يمكن تجاوزه، وتمكنت من نسيان كل ما فعلته بها واكتفت بكلمة واحدة “الله يرحمه”، لكنني لم أفعل مثلها، أنا لست بطلاً ولم اتجاوز أي شيء، فقط كنت أستيقظ وأنام وأستيقظ وانام حتى تساقط مني الوقت والرغبة وتجاوزتني الأشياء ولم أتجاوزها.

أنجبت فريال، تشبهني كثيراً..

أعلم فيما تفكر، لا علاقة بين الاسم وبين فريال، هي قصة قديمة انتهت، أنا أحب زوجتي…

حسناً! توقف عن رمقي بهذه النظرات! أنا لم أعد أخشاك بعد الآن! أنا حر!

كذبت عليها… لم أخبرها بـ فريال التي أحببتها أكثر من نفسي وتمنيت أن تكون لي، لقد دُفِنَت تلك القصة تحت أنقاض قدرتي على الاختيار وتحديد مصيري، كان الأمر بمثابة رصاصة الرحمة في جسدي المنهك من أثر البحث عن الذات، ارتضيت بما قدمته لي الحياة وتركت خلفي كل الصراعات الوهمية والرغبات، ارتضيت بما فرضته عليّ كما ارتضيت كل شيء في حياتي لكنني في النهاية اسميتها فريال.

أتخيلك الآن تنظر لي نظرتك المعتادة، نظرة استهزاء وسخرية بابتسامة يعقبها خطبة عن مدى تفاهة ما أقوله مقارنة بعظمة نصيحتك، ومدى الخطأ الذي ارتكبه كلما خطوت بعقلي خطوتين خارج الحيز الذي رسمته لي، لكنك لست موجود الآن وأنا لا أخشاك، أريدك فقط أن ترى ماذا فعلت بحياتي الجديدة، أنا الآن أختار أشيائي بنفسي ولنفسي، كم كنت أتمنى أن تراني لكنك كنت ترى انعكاسك أنت، كل محاولات تهذيبك لي ما هي إلا محاولات لتهذيب نفسك، لقد رأيت نفسك فيني وها أنا الآن أحاول أن أتخلص منك بداخلي، لا أريد أن أكون أنت أريد أن أكون أنا.

سأزورك كثيراً لأحكي لك عما أفعله، ففي قلبي مخزون كبير من الحكايات التي لم تسمعها من قبل، لكنك الآن ستسمع، حتماً ستسمع.

“ماتقومي يا فريال عشان تلحقي المناقشة بتاعتك، بقالك سنين بتأجلي وأهو خلاص مبقاش في حد مانعك.. قومي شوفي نفسك وحياتك يا بنتي كفاية اللي ضاع..

 أنا كلمت أخوكي ياخد العربية بتاعة أبوكي الله يرحمه يشوف هايبيعها ولا هايعمل فيها إيه، مش هانفضل ع الحال ده سنين يعني، الله يرحمه بقى ويسامحه”

قالت أمي هذه الكلمات ولم تنتبه كثيراُ لكم الأوراق من حولي، ولم أنتبه أنا أيضاً لما تقوله، طويت رسالة أبي لجدي ووضعتها في حقيبتي ومضيت… لطالما تمنيت أن يكون هنا الآن، لطالما تمنيت أن أقف بجواره وأقول له: عذراُ أبي، لقد احبني العالم!

Advertisements