كان علي حينها أن أقف ناظرًا لأعلى في محاولة لإدراك الموقف سريعًا لكن سرعان ما إختفت الضرورة الملحة للإدراك وتركت نفسي تسير في روتينها اليومي دون الحاجة لإدراك أي شيء.

السير في خطوط مستقيمة يكفيك شرور الوقوع في الأخطاء أو مواجهة المصائر الغامضة في هذا العالم الكبير، السير في خطوط مستقيمة يعطيك شعور بالثقة وإقتراب الوصول، ولا أحد يعلم ماهية هذا الشعور لكننا نسير في خطوط مستقيمة على أي حال.

 نتبادل الأحاديث المطمئنة والنظرات الواثقة في طريقنا للوصول المزعوم لكنني هذه المرة أدركني الإدراك فجأة كما يحدث لأبطال الأفلام ويقف الزمن بهم بينما يتحرك الجميع غير مدركين أو مبالين

ترجلت خارج الخط المقدس في حركة سريعة ولكنني شعرت حينها أن تلك الحركة أخذت مني وقتاً طويلًا لأنفذها، وكأنني لأول مرة أبصر ما يحدث حولي وفجأة أصبحت وحيدًا، تركوني لأول مرة  فغمرني الشعور بالوحدة وكأنه لابد وفي البداية – على الأقل- أن يكون شعور سيء، بقيت محاصرًا في داخلي بإدراكات لم أكن أعلمها من قبل تزور عقلي لأول مرة وعلي أن استوعبها وأتعامل معها خارج الخط المستقيم!

في كل مرة اقترب مني الإدراك في الماضي كان يترك سؤالاً ويرحل، في كل مرة كنت أتجاهل زيفه متمسكًا بحقيقة الخط المستقيم كان هو يغزل خيطًا رفيعًا في شباك وجوديته أمامي، بينما أنا منشغلاً بالسير محتمياً بثوابت الخط المستقيم وجديّة من حولي في السير فيه

 مواجهة الحقائق التي تركها الإدراك وفعله أمامي كانت هي الأصعب، لماذا خرجت من الخط المستقيم؟ ما الذي جعلني أدرك ؟ وهل سيأتي وقت ويحدث لهم ما حدث لي؟ أم أنني المميز؟ بالتأكيد! فأنا الذي خرج من ذلك الخط المستقيم، ووقف وحيداً دونهم، لقد خرجت وأدركني الإدراك بينما هم لازالوا يجهلون ما يحدث حولهم، وربما تكمن أهميتي في إخبارهم بما يحدث، ربما أنا المنتظر! بالفعل أنا المنتظر!

*يضع الرجل فنجان قهوته على الطاولة مهمهماً: اللعنة! من أين أتت هذه النملة؟ ثم يُخرج منديلاً يحمل علامة تجارية فاخرة ويصدغ النملة  بهدوء *

Advertisements